2023 بين التجديد و التغيير:لماذا نفشل في تحقيق أهداف العام الجديد؟

في كل عام نعقد العزم على أن يكون العام القادم عامًا مختلفًا، عامًا جديدًا بمعنى الكلمة، عامًا نُعيد فيه تشكيل أنفسنا وذواتنا للأفضل. نخرج ورقةً بيضاء، ونسطّر عليها بضعة قرارات وأهداف من شأنها توصيلنا إلى ما نطمح إليه. و نهمس لأنفسنا «ستكون هذه المرة مختلفة» ، تمامًا كما فعلنا في الأعوام السابقة. لكن نجد أنفسنا في النهاية لا نقوم بأي تغيير و نسير في نفس الطريق الذي نسيره كل عام ,و من هنا تنطلق مقالتنا لليوم , تنطلق من أفكار الكثير من الناس الذين عندما يسمعون كلمة التخطيط للعام الجديد يغضبون و يقولون أن أفشل الأهداف تلك التي نضعها خلال نهاية أو بداية عام جديد و كل هذه الأفكار عبارة عن مجموعة من خيبات الأمل من فشل سابق. لذا مقالنا اليوم لن يرتكز على المزيد من النصائح التي تدعو لرسم أهداف أكثر قابلية للتحقيق، ولا لإيجاد محاولات لبقائئكم متحمسين لتحقيق الأهداف, كما أنه لن يرتكز على تبرير خيبة الأمل و عدم قدركم على تحقيق أهدافكم السنوية.
أنظروا أبتت عدة دراسات أن الأيام الأولى من شهر جانفي يشهد كل عام آثار قرارات العام الجديد. فحسب إحصائية جمعية الصحة ورياضات المضرب والأندية الرياضية ، يحوز جانفي وحده ما يفوق 12% من مجموع العضويات الجديدة في العام .وسواء كانت إحصائيات انسحاب 80% ممن انضموا للنادي في يناير خلال الخمسة أشهر الأولى من عضويتهم دقيقة أم لا، وكذا بوادر فشل أغلب القرارات خلال الأسابيع الأولى من فبراير؛ نعود نهاية كل عام لعقد العزم واتخاذ قرارات السنة الجديدة، موقنين أنها ستكون مختلفة عن سابقيها. والنتيجة في الغالب خيبة أملٍ جديدة. لذا ما أصبو إليه عبر مقالتنا لليوم مختلفٌ عن كل هذه الأمور، حتى وإن امتزج بها بعض الشيء. نرغبُ جميعًا أن نكون نسخًا أفضل من أنفسنا و هذه حقيقة ثابتة لا أحد يرغب في أن يكون أسوأ مع مرور السنوات, و لكن لا يعني هذا أن علينا قبول أوهام التغير والتجدد التي تكتنفها فكرة قرارات السنة الجديدة.
التغيير ≠ التجديد و قد أشرت لهذه الفكرة في مقالنا الأول . أنظروا ترتكز فكرة قرارات السنة الجديدة في جوهرها على مناقضات كبيرة أولها التجديد و الذي يعني إدخال عادات أو هوايات أو ممارسات جديدة لم نعتد عليها من قبل لتكسير الروتين الذي اعتاده الفرد. بعبارة أخرى، الكثير من الناس يعتقدون أن التغيير عبارة عن مرادف لكلمة التجديد و الذي قلت لكم لكم أنه يعني السعي وراء ما هو جديدٌ أو دخيلٌ على روتيننا. أنظروا لأشرح لكم أولا شيء مهم و هي عبارة «القرارات المجهرية» و التي تشير إلى تلك القرارات التي أضيفها شهريا لنظام حياتي , أنا مثلكم جميعا أضع أهداف بدية العام ثم أقسم تلك الإهداف لأهداف شهرية, فبدلا من محاولة تبني كل الأفكار دفعة واحدة في بداية العام سيكون من الأسهل لو قمنا بتقسيمها و أَضفناها تدريجيا و بهذا نذهب من مفهوم التجديد إلى مفهوم التغيير.لقد قرأت مقالة على موقع أجنبي و كان الكاتب ينصح القارئ قائلًا: «الطريقةُ الأخرى لكي تنجح في تحقيق أهدافك السنوية هي أن تفكر باثني عشرة عادة تود إضافتها إلى حياتك.» تقوم هذه الفكرة أساسا على فكرة أن المزيد يعني الأفضل، على فكرة أن على الفرد إزاحة عاداته القديمة لكي يفسح المجال لما هو جديد وخلاق وتطويري. وفي الوقت نفسه، يُنصح الأفراد بالخروج دومًا من مناطق راحتهم المزعومة باتجاه ما هو جديد ومختلف. لكن الفكرة التي أريد طرحها هي : هل يقتضي التغيير على التجارب الجديدة فعلًا؟ ألا يمكن توسيع نطاق مفهوم التغيير ليرتكز على خبراتنا وتجاربنا التي مررنا بها خلال السنين دون الحاجة لزعزعتها و إستبدالها بالجديد؟ سأجيب مبدئيًا على السؤالين المطروحين كما يلي: كلا، لا يقتضي التغيير على التجارب الجديدة، ومن الممكن توسيع نطاق مفهوم التغيير ليتمحور حول ما اكتسبناه بشكلٍ رئيسي بدلا من التمحور حول كل ما هو جديد.لكن هنالك وجه شبه بين الإجاباتان اللتان قلتهما: لا بد من وجود استمراريةٍ وتكرارٍ من نوعٍ ما لإحداث التغيير. بعبارةٍ أخرى، على الفرد أن يبقى على تكرار الأمر نفسه فترة طويلة لتحقيق التغيير. التكرار يعلم الشطار في عام 2008، نشر مالكولم گلادويل كتاب «المتميزون: قصة النجاح»، وهو ثالث كتبه الأكثر مبيعًا. يحاول گلادويل في صفحات هذا الكتاب تفسير الأسباب الخفية التي تؤدي لنجاح بعض الناس دون غيرهم. ومن القواعد التي يبشر بها بين الحين والآخر في الكتاب هي قاعدة الـ10,000 ساعة، والتي تقول باختصار أن احتياز مَلَكَة أي شيء تستوجب قضاء ما لا يقل عن عشرة آلاف ساعة في ممارستها. ذلك أن جعل الشيء روتينيًا يعني التعود على ممارسته للدرجة التي تنتفي عندها الحاجة لبذل جهدٍ تركيزي في آلية القيام به. بعبارةٍ أخرى، يلم الفرد بأساسيات الشيء بما يكفي لتوفير طاقة التركيز عن آلية الممارسة وصرفها في تحسين الأداء والفعالية. حين يقرأ الفرد رواية وهو يعلم ما ستؤول إليه أحداثها، أو يشاهد فلمًا مدركًا غموضه وحبكته. ينصرف جهده لملاحظة العديد من التفاصيل التي انشغل عنها في قراءته أو متابعته الأولى، وهذا ما يجعل تجربة الفرد أثرى وأعمق.ففي التكرار فائدة كبيرة إذ أن كل إعادة تجعلنا نلاحظ أبعادًا غابت عنا في المرات السابقة السابقة. يمكن للتغيير أن يحدث إذن من خلال بناء عادة ، من خلال التكرار بوصفه خطوة لا مناص منها للإبداع. إذ يتضمن كل تكرار تفاوتًا ممهدًا للإبداع. ولكن التصور الشائع عن قرارات السنة الجديدة وتبجيل ما هو جديد ومختلف وجذري، يقف حائلًا بيننا وبين إدراك هذا الأمر. ولكن التكرار وحده ليس كافيًا بطبيعة الحال. حيث يتطلب الأمر أحيانًا أخذ خطوةٍ للوراء من أجل إعادة التأمل فيما يعنيه كل شيء. قد ننغمس في الممارسة وتفاصيلها، فنغفل عن اكتشاف مناظير مغايرة أو إيجاد علاقات جديدة لتلك التفاصيل في الصورة الكبرى. في هذا السياق، يمكن للتغيير أن يحدث دون الحاجة لإقحام المستجدات، ولا لاعتبار ما نألفه ونعرفه معطوبًا أو غير قابلٍ للتجديد وإعادة الإنعاش. قرارات قديمة لسنة جديدة يقول كابتن بيتي في رواية «فهرنهايت 451» مخاطبًا بطلها مونتاغ: «املأهم بالبيانات غير القابلة للاشتعال، أفعمهم بالحقائق بحيث يشعرون بالتخمة، بيد أنهم يشعرون بالذكاء جراء هذه المعلومات. سيشعرون أنهم يفكرون، وسينالون إحساسًا بالحراك دون أن يتحركوا. وسيكونون سعداء لأن الحقائق من هذا النوع لا تُغير.» يمكن قول الشيء ذاته عما تولده لحظات اتخاذ قرارات السنة الجديدة فينا من تفكير وحراك وسعادة، سوى أنها في النهاية كما يقول الكابتن بيتي لن تبدّل شيئًا؛ طالما ارتبط اتخاذ هذه القرارات بتجربة ما هو جديد وخارج عما اعتدناه، وطالما ارتبط بسعيٍ وراء كل ما من شأنه إخراجنا من مناطق راحتنا، فسيبوء الأمر في نهاية المطاف إلى الفشل. من هنا تنشأ الحاجة لإعادة الاعتبار لفاعليتنا الشخصية ولقدراتنا على البناء على ما اكتسبناه وعرفناه من ممارساتنا وتجاربنا وإدراكنا نحن. بدل الإفراط في البحث وراء سلسلةٍ جديدةٍ من القرارات والتجارب الجديدة، لعل من الحري بنا التركيز على ما عاهدنا أنفسنا عليه وباشرناه في السابق. ففي النهاية، لم تُبن روما في يوم واحد.



Comments